ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم ، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم ، وإنما تسيرون في أثر بين ، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم . قد كفاكم مؤونة دنياكم ، وحثكم على الشكر ، وافترض من ألسنتكم الذكر ، وأوصاكم بالتقوى ، وجعلها منتهى رضاه ، وحاجته من خلقه . فاتقوا الله الذي أنتم بعينه ، ونواصيكم بيده ، وتقلبكم في قبضته ، إن أسررتم علمه ، وأن أعلنتم كتبه ، قد وكل بكم حفظة كراما ، لا يسقطون حقا ، ولا يثبتون باطلا . واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ، ونورا من الظلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزلة الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ، ظلها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله . فبادروا المعاد ، وسابقوا الآجال ، فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل ، ويرهقهم الاجل ، ويسد عنهم باب التوبة ، فقد أصبحتم في مثل ما سأل ( 1 ) إليه الرجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل ، على سفر من دار ليست بداركم ، وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزاد . * * * الشرح : جعل القرآن آمرا وزاجرا لما كان خالقه - وهو الله سبحانه - آمرا زاجرا به ، فأسند الامر والزجر إليه ، كما تقول : سيف قاتل ، وإنما القاتل الضارب به ، وجعله صامتا ناطقا ، لأنه - من حيث هو حروف وأصوات - صامت ، إذ كان العرض يستحيل أن يكون ناطقا
--> ( 1 ) آ : ( يسأل ) .